ابن عربي
337
مجموعه رسائل ابن عربي
في كتابه العزيز : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وقوله ( ص ) في حديث وما استكرهوا عليه فإذا تقرر هذا فقد ثبت أن القلب رئيس البدن وهو المخاطب في الإنسان وهو العقل الذي يعقل عن اللّه وهو الملك المطاع الذي قال فيه رسول اللّه ( ص ) إن في الجسد مضغة إن صلحت صلح الجسد وإن فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب فإذا كان هذا كما ذكرناه فقد ثبت وصح أن جميع الكرامات والمنازل التي جعلت للأعضاء فإنها راجعة إلى القلب ومتعلقة به وعائدة عليه ولكن مع هذا كله فله كرامات ومنازل يختص بها في نفسه لا يقبل إليها أحد عن عماله أبدا كما أن كل نعمة تظهر في ملك ملك على يد رجاله وخدمه وحاشيته ومقام رفيع ومنزلة عليه راجعة إلى الملك ومع هذا فله أيضا نعم ومنازل ومقامات يختص بها ذاته لا ينالها أحد في مملكته سواء وقد ذكرنا هذا الفصل شافيا مستوفيا في كتابنا الموسوم بالتدبيرات الإلهية بيد أن لمنازل هذا القلب شروطا ليست لغيره من الأعضاء وذلك أن منازل الأعضاء قد يحصل لها من غير أن تحصل لها الكرامات المختصة بها والقلب بخلاف ذلك لا يصح له منزل ما لم يصح له بعض الكرامات المختصة به فمنازله موقوفة على بعض كراماته ونحن نذكر الآن إن شاء اللّه تعالى كرامات هذا القلب ومنازله ممتزجة على حسب ما يعطيه المقام فاذكر الكرامة والكرامتين والمنزل والمنزلتين والثلاثة ثم ارجع إلى الكرامات بخلاف ما تقدم في الأعضاء وإن هذا يعطي مقام القلب إذ بعض كراماته منازل لغيره من الأعضاء فلحلولها وامتزاجها بالمنازل ولطافتها صارت كأنها هيئة فلهذا يعسر فصلها على المنازل ( كرامات القلب ) فمن ذلك معرفته بالكون قبل أن يكون وهذا هو العلم الخفي الذي فوق العلم السر وفوقه علم أخفى وفوق الأخفى أخفى إلى أخفى الأخفى الذي أستأثر اللّه تعالى به دون خلقه فالأخفى الأول عمن عنه كل مخلوق ما عدا هذا الشخص الذي أطلعه اللّه عليه كرامة منه به فهو بالنظر إلى الحق فهو من علوم السر لوقوع الاشتراك في علمه فهو للحق سبحانه وتعالى من حضرة يعلم السر وللعالم من حضرة ما خفي إلّا أن أصحابنا ( رضي اللّه عنهم ) أطلقوا على هذا العلم سر السر أدبا مع الحق سبحانه وتعالى إذ لم يسم أخفى إلّا ما انفرد به سبحانه وتعالى وأنا جار على هذا الأدب وإنما ذكرت الأخفى هنا لهذا السر تبيينا للمعنى في حق السامع فسر السر هو هذا العلم وما هو أخفى بما هو فوقه ولا يلتفت لمن يقول إن كل إنسان له سر يخفيه لا يعلمه أحد معه إلّا اللّه تعالى هيهات وأين اللوح والقلم ولمة الملك والشيطان نعم